الخميس، 2 يناير، 2014

ليلة تحت القصف،، بغداد 1991

من ذكريات 1991 #بغداد

كنا صغار كان ابي يوقد الشموع ليلا لا القناديل و يقول اليوم عدنا عيد ميلاد، يحاول ان يخفف شيئا من الذعر البادي على ملامحنا في ظلام دامس لا ينيره الا انفجار الصواريخ او مضادات الطائرات و الراجمات، لم أكن افهم حينها ما يعني، الخوف و ما كان يشعر به اب لا يملك الا الدعاء و الصبر خشية ان يقع على منزله صاروخ "صديق" من الوطن او من القوات التي جاءت تحرر الوطن، ليفقده أعز ما يملك، عائلته، كانت امي تخبز لنا الكيك لتكمل مراسيم الحفل اليومي، لم تكن تتوقع اننا سنعيش حصارا ننسى فيه شكل الطحين الأبيض، و يصبح من الترف امتلاك عائلة لـ
"طبقة بيض"
نحن الأطفال العراقيين اصغر المتابعين إجبارا لإذاعة الـ BBC عبر أثير الراديو "ابو الباتري" حيث لا شيء غيره يربط ابي بالعالم الخارجي ليخبره ما يحدث في عالمه ووطنه، لم أكن افهم مجمل الكلمات المنبعثة من ذاك الجهاز الكئيب الذي كان يثير غيرتي وهو يستحوذ على اهتمام ابي ليأخذه مني لساعات وساعات، أراقب ملامحه المتغيرة مع كل نشرة، و تلك الدقات قبل بدء النشرة ساعة Big Ben حفظتها عن ظهر قلب، فلا حيلة لنا نحن الصغار الا ان نجلس في غرفة حَوَلّها ابي الى ملجأ محكم النوافذ عليها أغطية ثقيلة يحرص على ان يبقيها مبللة "عرفت لاحقا انها احد الإجراءات الوقائية من القصف بالأسلحة الكيمياوية"، كان العراق مثلي تماماً نعم مثلي مندهش من حرب المدن التي يعيشها لأول مرة في تاريخه الحديث، كنت افهم ان الحرب جبهة و قتال و جندي يحمل في أقصى الأحوال بندقية فقط، هكذا كانوا يرسمونه في كتاب القراءة في صفي الاول في المدرسة، لكن كم "الألعاب النارية" هذه فوق رؤوسنا لم أكن اجد لها تفسيرا و انا ابنة السبع أعوام الا ما قال ابي الليلة عدنا عيد ميلاد و هذه اكيد لوازم الاحتفال كان كل شيء حولي يرقص حين يبدأ الاحتفال ليلا ، الجدران، القدح على الطاولة، الارض من تحتي، و ابي كان يبتسم حين كنت أردد
"بابا ما اريد عيد ميلاد "
و"الخوف الذي يبدو علي الان في عروض الألعاب النارية "
كان بادٍ على ملامحه يكاد يخفيه لولا دموع امي التي لم تكن تشاركنا الاحتفال، لانها منشغلة بقراءة القران طوال الوقت.