الأحد، 11 مايو، 2014

قراءة في رسائل صندوق بريد 1003


انتهيت من قراءة رواية "صندوق بريد 1003" قرئتها و انا استشرف من حروف أبطالها تغير حوارهم و شخوصهم و تأثير أحدهم على الاخر من رسالة لأخرى "على الورق فقط"


سلاح ذو حد واحد!

يتغير المغزى من وسائل التواصل الى وسائل تنكر على الذات و الاخر و بيع بضائع أخلاقية لا يطبقها اغلب المتراسلين في واقعهم مهما تطورت تلك الوسائل مروراً بصناديق البريد و حتى يومنا هذا!
رغم العنوان الذي يشدك الى حنين الرسائل المكتوبة بخط اليد، و الى الزمن الجميل! كما نسميه احياناً، الا ان الرواية تختلف تماما عن عنوانها، لا يمكنك ان تفهم دواخلها من العنوان فقط!
الرسائل جميلة، و خادعة في اغلب الأحيان، جمالها يكمن في مساحة التخيل اللامحدودة في رسم الاخر كيف شاء خيالك و حروف رسائله ريشتك و الوانك "سواء أكان خلف ورقة ام خلف شاشة" تتوطد علاقتك بهذا الخيال الذي يمت للواقع بصلة واحدة فقط "الحروف" !
تُغيب الشك او السؤال لأنك تريد ان تستمر في هذا "الواقع" اللاواقعي! انت تنسج شِباك التعلق بشخص من بنات أفكارك انت! لتقع في خداع الذات و الاخر!


الزمن لم يكن يوماً جميلاً!

سرد حكايا الماضي، و وصف حياة الاباء يضيء في دواخلنا حنين غريب لذاك الزمن، نتخيل ان الجميع فيه بنوايا طيبة! و حب الخير سيد الموقف دائماً، الغريب ان الأجداد يجدون في حكايا آبائهم ايضاً ضالتهم نحو زمنهم الجميل و يأسفون على حال الدنيا في زمنك الجميل!
يصور لك الكاتب احد تلك الأزمان "الجميلة" بشخوصها التي يأبى عقلك الباطن الا ان يكونوا على أجمل هيئة، ثم يدس لك الواقع في عسل الماضي! "حقيقة البشر" كيف يميل احدهم لخداع الاخر ان سنحت له الفرصة! كيف يكون الكذب سيد المشهد مازال هناك عداء ازلي بين "الشيطان" وهو أحد شخوص الرواية و بيننا في كل زمان و مكان!


رسائل يتخللها رسائل!

لم يجد سلطان العميمي كاتب الرواية حرجاً في التطفل على رسائل ابطال روايته برسائله هو الى القارئ ! بين صفحات و اخرى يظهر صوت جلي يختلف عن نبرة عليا "البطلة" و "يوسف" الذي انتحل شخصية البطل "عيسى" الغائب الحاضر في كل الرسائل!
ليطرح "سلطان العميمي" اسئلة فكرية و فلسفية يحرك بها مياهنا الراكدة فعلاً؟! كأن يسألك ما هي الأخلاق برأيك؟! ما الحُب؟ كيف تبرر الغايات متعة الوسائل لتصبح الوسيلة غاية بحد ذاتها! سيدفع بالماضي عنوة الى الحاضر عن طريق إجاباتك انت!


تتطاير الحروف في مهب الحقيقة!

اكتفى سلطان العميمي بأن يعطي الأبطال اسماء و شيء من مفاتيح دواخلهم في بداية الرواية ليترك لك أنت أيضاً حرية تخيل أبطالها! التخيل وقود التواصل الافتراضي الذي لا ينضب الا لحظة الحقيقة!
في كل رسالة انت تجيد لعبة أبطالها أكثر.
تُرى كيف شكلهما! ماذا لو التقيا! هل اللقاء سيكون جميل كلهفة قراءة رسالة! هل الحروف ستنطلق بهذه السلاسة و الصياغة المبهرة كما هي على ظهر الرسائل! هذه تماما كانت اسئلة الأبطال التي سيطرت على رسائلهم اللامكتوبة!
و إذا باللقاء يعيدك الى نقطة البداية! فجأة تشعر ان من تكتب له لا يشبه من تراه عيناك الان! تختفي سلاسة العبارات، و تعود لطبيعتك البشرية في التعامل مع "الغرباء" الذين تلتقيهم لأول مرة!
لتكتشف ان الرسائل لم تكن يوماً وسيلة للتواصل الحقيقي! 

هذه كانت أهم (الرسائل) في صندوق بريد 1003 من وجهة قرائتي لها على الأقل! 


الخميس، 1 مايو، 2014

قطةٌ على الطريق ... رجلٌ في العراق ... طفلٌ في سوريا !



احب الحيوانات، افضل مصاحبتهم في وحدتي، اكثر من اي شخص اخر، هم اصدقاء رائعون، و أبرياء جداً  لاحول لهم و لاقوة، في هذه المدن الكبيرة الزاهية لنا فقط!
اشعر اننا ظلمناهم بتطورنا وتكنلوجيتنا الفاخرة!
عشرات القطط والطيور اجدها مطبوعة على الشوارع كالملصقات كل يوم بعد ان دهستها عجلات سيارة و مضت كأنهم لاشيء ... لا أحد...  

يذكرونني بأطفال سوريا، الذين تطحنهم آليات الاقتتال وهم لا يعلمون سببه و لا يريدون ان يعلموه فهو أقبح من مخيلتهم البريئة التي لا تتسع للجرائم و لا تستوعبها!!

تلك الكائنات الصغيرة الضعيفة (الحيوانات اعني، لا اطفال سوريا !!! ) أرواح تتنفس، خلقها الله لسبب مثلي و مثلك.

أمس و أنا في طريق العودة الى المنزل كان يلوح في الشارع شيء صغير جداً جلس من خوفه وسط الطريق لا يدري ما يفعل و قد تقطعت به السبل حتى أوصلته شارعاً تصل سرعة السيارات فيه الى 120 كم في الساعة!
أوقفت السيارة فتحت الإشارات ... ربما عرضت حياتي للخطر، لكن تلك القطة الصغيرة ذكرتني بطفل صغير وسط براميل النظام السوري و آليات الجيش الحر و رصاص داعش و قذائف النصرة  و قد تقتله احداها في اي لحظة!
لا أستطيع إنقاذه فربما أنقذ قطة صغيرة بريئة مثله ... ذكرتني به!

فكلاهما روح ليس لديها الوعي و القدرة لتحتمي من اشياء لا تدري ما هي اساساً؟! 
كل ذنبها أنها وجدت في المكان و التوقيت الخطأ، او الصحيح جداً لتنتهي أنفاسها عند هذا الحد!!!

ركضت نحوها لإنقاذها لكن احد السيارات كانت أسرع من نواياي الطيبة!!!
دهَسَتها بسرعة جنونية جعلت القطة الصغيرة تحلق عالياً فوق السيارة، لترتطم بأخرى تلتها حتى لم يبقى منها شيء فقد تناثرت أشلائها بين العجلات!

صرخت بغضب "أعمى" قصدت السائق ! عدت لسيارتي حزينة ألوم نفسي اني اخذت وقتاً افكر أ أنقذها ام لا؟

تذكرت حادثة وقعت عام 2006 حيث كان العراق يموج بالعنف الطائفي، كنا ننام ليلاً في حديقة المنزل بسبب انقطاع التيار الكهربائي، أملاً ببعض عليل النسائم.
في ليلة السابع من نيسان تلك السنة، سمعت رجلاً يصرخ بنبرة ملئها الخوف، كأطفال سوريا!!كتلك القطة الصغيرة ساعدوني!!!!
كان يصرخ بأعلى صوته لكن صوته بعيد متقطع ، الجميع كان نائم،
شيء ما منعني ان اوقض ابي، ربما خوفي عليه!
تابعت صراخ الرجل، متخيلة كل الحوادث التي قد تصيب رجلا يطلب المساعدة في مجتمع عرف فيه بصلابة القلب، فلا تسمع منه صرخات النجدة الا حين تعرضه لخطر حقيقي!
بعد دقائق...
هدأ الصراخ ... و هدأت انا الأخرى ممنيةً النفس بأنه قد وجد المساعدة !
صبيحة صرخة النجدة،
أغلَقَتْ سيارات الشرطة مداخل الشارع المجاور لمنطقتنا!
رجال أمن برتب مختلفة و جموع تجمهروا حول المداخل المغلقة.
كنت في طريقي الى الجامعة... اقتربت... يلف خطواتي الخوف من أحد المتجمهرين وهو ينزل الدعوات الثقال "في الي كان السبب"

بتردد، سألت ... "شكو؟!!!!!! "

اجاب؛
رجل مسكين قتلته امس جماعة مسلحة و سرقوا سيارته! 

لم اسمع ما تلى تلك الكلمات فقد تعالت صرخات الرجل في رأسي ...
 
ساعدوني!

شعرت اني كنت السبب في موته، لأني لم اقدم له اي مساعدة وهو يستنجد بي و بغيري للننقذ حياته.
امس...
ذكرتني به تلك القطة الصغيرة، التي حاولت إنقاذها ربما تكفيراً مني على ذاك الذنب!!! احاول مواساة نفسي بإنقاذ روح أخرى تستنجد و إن كانت روح قط صغير، فأضفت الى صرخاته استصراخها وشهدت موتها بأم عيني لا بأذني فقط!!
علمت، امس ان نوايانا الطيبة لا تكفي لإنقاذ الاخرين، و أن الحزن على استصراخ بالنجدة لن ينقذ المستصرخ! كحزننا على أولائك الصغار وهم يسقطون طفل بعد اخر فيما نحن نحتظن فلذات اكبادنا و ننعت القتلة بالمجرمين عبر شاشات التلفزة و على مواقع التواصل بكل ما نملك من ضمير!
علمت ان روحاً سَمِعتُ اخر صرخاتها في الحياة كأن الكون خلى الا من صرخاتها و مني، ستبقى عالقة في ذهني كلما تعرض احدهم لخطر، و أن الاف الناس ممن تهدر أرواحهم سيبقى استصراخهم حي فينا و إن رحلوا، يذكرنا بأن الموت الحقيقي هو ما نحن عليه الان.